محمد بن جرير الطبري
238
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
2351 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان رجالٌ من الأنصار مِمَّن يُهلُّ لمناةَ في الجاهلية - و " مناةُ " صنمٌ بين مكة والمدينة - قالوا : يا نبيّ الله ، إنا كنا لا نطوفُ بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة ، فهل علينا من حَرَج أن نَطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " إنّ الصفا والمروةَ من شعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمرَ فلا جناح عليه أن يطوف بهما " . قال عروة : فقلت لعائشة : ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة ! قال الله : " فلا جُناح عليه " . قالت : يا ابن أختي ، ألا ترى أنه يقول : " إن الصفا والمروة من شَعائر الله " ! قال الزهري : فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال : هذا العلم ! قال أبو بكر : ولقد سمعتُ رجالا من أهل العلم يقولون : لما أنزل الله الطوافَ بالبيت ولم يُنزل الطواف بين الصفا والمروة ، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نطوفُ في الجاهلية بين الصفا والمروة ، وإنّ الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطوافَ بين الصفا والمروةَ ، فهل علينا من حرج أن لا نَطوفَ بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " إنّ الصفا والمروةَ من شعائر الله " الآية كلها ، قال أبو بكر : فأسمعُ أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما ، فيمن طَافَ وفيمن لم يَطُف . ( 1 )
--> ( 1 ) الحديث : 2350 - عقيل - بضم العين : هو ابن خالد الأيلي ، وهو ثقة ثبت حجة ، قال ابن معين : " أثبت من روى عن الزهري : مالك ، ثم معمر ، ثم عقيل " . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 94 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 43 . عروة بن الزبير بن العوام : تابعي ثقة فقيه عالم ثبت مأمون ، قال أبو الزناد : " كان فقهاء أهل المدينة أربعة : سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وقبيصة بن ذؤيب ، وعبد الملك بن مروان " . وأمه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق ، وعائشة أم المؤمنين خالته ، رضي الله عنهم . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 31 - 32 ، وابن سعد 2 / 2 / 134 - 135 ، و 5 : 132 - 135 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 395 - 396 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 58 - 59 ، وتاريخ الإسلام 3 : 31 - 34 . والحديث - من هذا الوجه - رواه مسلم 1 : 362 ، من طريق عقيل ، عن ابن شهاب ، وهو الزهري ولم يذكر لفظه كله ، إحالة على روايات قبله . ورواه البخاري 3 : 397 - 401 ، مطولا ، من طريق شعيب ، عن الزهري ، باللفظ الذي هنا ، إلا خلافًا في أحرف يسيرة : " فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا . . . أنزل الله . . . " ففي البخاري : " فلما أسلموا سألوا . . . قالوا . . . فأنزل الله . . . " . ولكن زاد البخاري في آخره قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن - الذي سيأتي في الرواية التالية لهذه ، بنحو معناه . وثبت من أوجه كثيرة ، عن الزهري ، عن عروة ، مطولا ومختصرًا : فرواه مالك في الموطأ ، ص : 373 ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه . ورواه البخاري 8 : 132 . وابن أبي داود في المصاحف ، ص 100 - ولم يذكر لفظه - كلاهما من طريق مالك . ورواه أحمد في المسند 6 : 144 ، 227 ( حلبي ) ، من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري . وكذلك رواه ابن أبي داود ، ص : 100 - ولم يذكر لفظه - من طريق إبراهيم بن سعد . ورواه مسلم مطولا 1 : 361 - 362 ، من طريق سفيان بن عيينة ، عن الزهري . وكذلك رواه البخاري 8 : 472 ، من طريق سفيان . ولكنه اختصره جدًا . ورواه مسلم وابن أبي داود - قبل ذلك وبعده : من أوجه كثيرة . وذكره السيوطي 1 : 159 ، وزاد نسبته إلى أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في السنن . وانظر الحديث التالي لهذا . قوله " يهلون لمناة " : أي يحجون . ومناة ، بفتح الميم والنون الخفيفة : صنم كان في الجاهلية . وقال ابن الكلبي : كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل ، وكانوا يعبدونها . والطاغية : صفة لها إسلامية . قاله الحافظ في الفتح . " المشلل " : بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين ، الأولى مفتوحة مثقلة ، هي الثنية المشرفة على قديد ، وقديد ، بضم القاف ودالين مهملتين ، مصغرًا : قرية جامعة بين مكة والمدينة ، كثيرة المياه . عن الفتح . ( 2 ) الحديث : 2351 - هو تكرار للحديث السابق بمعناه ، من وجه آخر صحيح ، عن الزهري . وفيه زيادة قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، إلخ . وهذه الزيادة ذكرها البخاري ، في روايته من طريق شعيب عن الزهري ، كما قلنا آنفًا . ورواية معمر عن الزهري - هذه : ذكر البخاري بعضها تعليقًا 8 : 472 ، فقال : " قال معمر عن الزهري . . . " . وقال الحافظ : " وصله الطبري ، عن الحسن بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، مطولا " . فهذه إشارة إلى الرواية التي هنا ، وأشار إليها في الفتح 3 : 399 ، وذكر أنه وصلها أحمد وغيره . وقد رواها أيضًا ابن أبي داود في المصاحف ، ص : 100 ، عن " خشيش بن أصرم ، والحسن بن أبي الربيع ، أن عبد الرزاق أخبرهم عن معمر . . . " . ولم يسق لفظ الحديث ، إحالة على ما قبله . و " خشيش " : بضم الخاء وفتح الشين وآخره شين ، معجمات كلها . و " الحسن بن أبي الربيع " : هو " الحسن بن يحيى " شيخ الطبري ، كنية أبيه " أبو الربيع " . وخلط المستشرق طابع كتاب المصاحف : فكتب " حشيش " بالحاء المهملة ! وكتب " الحسن بن أبي الربيع بن عبد الرزاق " ! ! و " أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام " المخزومي القرشي المدني : من كبار التابعين الأئمة ، ومن سادات قريش . وهو أحد الفقهاء السبعة . مترجم في التهذيب ، والكنى للبخاري ، رقم : 51 ، وابن سعد 2 / 2 / 133 ، و 5 : 153 - 154 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 59 - 60 ، وتاريخ الإسلام 4 : 72 - 73 . وقول أبي بكر بن عبد الرحمن " فأسمع أن هذه الآية نزلت . . . " - إلخ : هو في رواية البخاري أيضًا 3 : 401 ، وقال الحافظ : " كذا في معظم الروايات ، بإثبات الهمزة وضم العين ، بصيغة المضارعة للمتكلم . وضبطه الدمياطي في نسخته [ يعني من صحيح البخاري ] بالوصل وسكون العين . بصيغة الأمر ، والأول أصوب ، فقد وقع في رواية سفيان المذكورة : فأراها نزلت . وهو بضم الهمزة ، أي أظنها " . وانظر كثيرًا من طرق هذا الحديث أيضًا ، في السنن الكبرى للبيهقي 5 : 96 - 97 .